سياسةوطنية

تونس قد تصبح أول دولة عربية يعتذر رئيسها عن التعذيب

قد يصبح رئيس الجمهورية قيس سعيد في الأيام القادمة، أول رئيس عربي يعتذر عن تاريخ أسلافه في التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.
فبحسب رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، سعيّد أكد التزامه بتقديم “اعتذار تاريخي باسم الدولة لكل ضحايا الانتهاكات منذ حقبة الاستقلال إلى سنة 2011”.
خطوة تكتب معها تونس صفحة جديدة في مسار ديمقراطيتها الفتيّة، بما يكرس المصالحة الوطنية عبر اعتراف رسمي من أعلى هرم السلطة ومؤسسات الدولة الدستورية بالتجاوزات والجرائم المرتكبة خلال العهود السابقة، لأن مجمل الانتهاكات وقعت باسم الدولة وأجهزتها الأمنية والسياسية.
وبحسب رئيسة الهيئة فإن رئيس الجمهورية يعمل على صياغة مبادرة خاصة ذات طابع إجرائي وقانوني لفائدة ضحايا الانتهاكات سيتم الإعلان عنها في الفترة القادمة بالتزامن مع الاعتذار الرسمي الذي سيقدمه باسم الدولة.
المبادرة الرئاسية قد تشكل رافداً تشريعياً مهماً للإجراءات المنبثقة عن الهيئة وقراراتها المتعلقة بتفكيك منظومة الاستبداد وإصلاح المؤسسات والتي تشمل بعث لجنة حكومية للعمل على تطبيقها مرفقة برقابة برلمانية لتقييم عملها.
مسار العدالة الثقيل
تقرير الهيئة الصادر قبل أيام، أوصى بتكريس حقوق الضحايا وذويهم لا سيما من تعرضوا للتعذيب والهرسلة  من قبل الأجهزة الأمنية في العهود الماضية.
صدور التقرير الذي تزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا التعذيب يعتبر إنجازاً مهماً في مسار العدالة الانتقالية التي عملت تونس على تجسيدها مباشرة بعد الثورة وخطوة حازمة لغلق صفحات مؤلمة وقاسية من التاريخ المعاصر كُتبت بدماء الضحايا وتركت ندوباً نفسية عميقة بالذاكرة الوطنية.
سنوات من مسار مثقل بالصعوبات التنظيمية والتشريعية والتجاذبات السياسية التي طالت عمل الهيئة ضمن مسارات مختلفة.
ملف ضحايا التعذيب كان من بين المحاور الأشد ثقلاً والأكثر تعقيداً من حيث معالجته، لما تطلبه من إجراءات قانونية وقضائية متشعبة ومعقدة فضلاً عن عقد آلاف جلسات الاستماع السرية والعلنية التي جمعت الضحايا بالجلادين.
وبحسب المعطيات الرسمية عملت هيئة الحقيقة والكرامة خلال عهدتها على البت في  62 ألف و720 ملفاً متعلقاً بانتهاكات حقوق الإنسان تراوح المتضررون فيها بين أفراد و أحزاب وجمعيات ومنظمات وطنية ونقابية ما تطلب تنظيم أكثر من 49 ألف جلسة استماع سرية.
التقرير الذي صدر بالرائد الرسمي في أكثر من 1500 صفحة يجعل من قرارات جبر الضرر لفائدة الضحايا نافذة قانوناً وهو ما من شأنه طمأنة الضحايا بأن حقوقهم المعنوية والمادية يضمنها الدستور وترعاها الهيئة والعدالة الانتقالية.
تفعيل قرارات الهيئة من شأنه إنصاف آلاف ضحايا التعذيب معنوياً وإنسانياً، خاصة المتعلقة منها بالمسؤولية القانونية للدولة عبر الاعتراف بحقوق المتضررين من حقبة الديكتاتورية ورد الاعتبار لهم ولذويهم.
وبرغم الانتقادات العامة والتجاذبات السياسية والتشريعية التي واجهت عمل الهيئة طوال السنوات الماضية في ظل تباين اجتهادات التقييم والآراء بشأن أدائها وحصاد عملها وشخص رئيستها إلا أن الجهود التي بذلتها لجانها المتخصصة على الصعيدين القانوني والإجرائي وعمليات البحث والاستقصاء أسهمت في تصحيح مسار التاريخ الوطني وإعادة تدوينه فضلاً عن كشف الحقائق المرتبطة بحالات التعذيب والانتهاكات وسوء المعاملة بناءً على اعتراف المسؤولين والجلادين إلى جانب تحديد مصير مئات المفقودين ممن قتلوا تحت التعذيب واختفت جثثهم وطمست معها الحقيقة على غرار ملف الشهيد كمال المطماطي.
صدمة الحقيقة
جلسات الاستماع العلنية التي تابعها ملايين التونسيين ونقلت إفادات الضحايا وذويهم عن الممارسات الوحشية والتعذيب المؤلم خلفت صدمة في أوساط الرأي العام الوطني وحتى الدولي لهول الحقائق المرتبطة بهذه الملفات وما كشفته من وحشية كانت تمارس داخل دواميس الداخلية وفي أقبية المعتقلات والسجون ما خلق حالة من التعاطف المعنوي والإنساني الكبير مع الضحايا وأسرهم بعد أن كانت قضاياهم مجهولة لدى أغلبية التونسيين.
رصيد إنساني من التعاطف يضع على عاتق الهيئات الحقوقية وقوى المجتمع المدني مسؤولية كبرى من أجل تثمينه واستثماره في مجال تطوير ثقافة حقوق الإنسان وتوسيع حالة الوعي العامة بأهميتها.
في اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا التعذيب يقف التونسييون بإجلال أمام تضحيات ضحايا الديكتاتورية على مر العقود الذين واجهوا التعتيم الإعلامي وآلة القمع الوحشي وشتى أشكال والتعذيب بلغت حد القتل الممنهج.
تضحيات مهدت سبل الحرية والكرامة والشعور بالمواطنة لشعب أبى إلا أن يرد الاعتبار لضحايا التعذيب عبر قيادة مسار العدالة الانتقالية نحو ضفاف الحقيقة والإنصاف وإرساء ثقافة الاعتراف والتعويض وجبر الضرر عله يسهم في إسدال الستار على حقبة مظلمة ما تزال تشكل أزمة ضمير في الذاكرة الجمعية للتونسيين وتجاوز حواجز نفسية تكبل جهود المصالحة الشاملة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق