متفرقات

العُصبان …سيّد الموائد التونسية في عيد الأضحى

قد لا يستقيم الحديث عن عيد الأضحى في تونس دون استحضار “العصبان”، الأكلة التي أضحت بمثابة “سر مقدس” يختزل طعم العيد وأفاويهه، حول “ثريده” تتجمع الأسرة، لكونه وليمة عامرة تتفنن ربات البيوت في إعدادها ساعاتٍ طويلة وتزويقها بمزاج عالٍ لتتجلى قطع العصبان وهي تزين أطباق الكسكسي في مشهد يختزل توليفة مميزة لأحد أبرز الاختصاصات الغذائية التي يشتهر بها المطبخ التونسي.
يتخذ العصبان من الأمعاء الغليظة والدقيقة للذبيحة وخاصة الأغنام بشكل أساسي مكونه الرئيس إلى جانب غشاء المعدة الأبيض بعد تنظيفها بشكل دقيق في ماء ساخن ثم سلخها بدقة وتعقيمها بالملح.
يلي ذلك إعداد حشو العصبان وقوامه الزوائد اللحمية الموجودة بالذبيحة والتي تشمل الرئتين والقلب والكبد بعد سلقها في الماء ثم تقطيعها وخلطها مع تشكيلة من الخضار الورقية مثل “السلق” والبقدونس والسبانخ والنعناع المجفف إلى جانب البصل والحمص أو البازلاء.
يضاف إلى هذه الخلطة زيت الزيتون مع تشكيلة من التوابل تحرص ربات البيوت على وضعها بمقدار دقيق بما يضمن النكهة القوية والمميزة على العصبان دون إفساده وتشمل هذه التوابل مسحوق الفلفل الأحمر الحار والفلفل الأسود و”التابل” و”الكروية” و”الكركم” مع الإشارة إلى اختلاف طريقة التتبيل بحسب المناطق والجهات.
تُحشى الأمعاء وغشاء معدة الخروف بهذه الخلطة ثم تُخاط جيداً بخيوط من الطرفين منعاً لتسرب الخلطة أثناء الطهو ولعل هذه العملية هي التي كانت مصدر التسمية “بالعصبان” نسبة للأمعاء التي يتم تعصيبها أي ربطها بإحكام بعد حشوها.
أصل وفصل العصبان
اختلفت الروايات المتعلقة بأصول العصبان حيث ينسبه البعض إلى القبائل العربية التي استوطنت صعيد مصر وجزءًا من صحراء سيناء خلال الحقبة الفاطمية والتي اشتهرت ا بإعداد “الممبار” المعروف بدوره على المائدة المصرية قبل أن ينتقل إلى شمال إفريقيا خلال ما عرف بالزحف الهلالي من قبائل بني هلال وبني سليم على إفريقية والذين نقلوا جانباً من عاداتهم وتقاليدهم وامتزجوا بالمجتمعات المحلية.
ويرجح مؤرخون آخرون أن تعود أصول العصبان إلى العثمانيين إذ كانت من بين الوجبات الرئيسية التي تقدم للملوك والسلاطين وتدعى باللغة التركية “الأكارع “. كما أن الجنود الانكشاريين عرفوا خلال ذهابهم إلى الحروب والغزوات القيام بتصبير أمعاء الذبائح بالملح والخل واستخدامها كطعام سهل الإعداد.
لا يعتبر العصبان أكلة تتفرد بها تونس فهو تراث مشترك في ليبيا والجزائر كذلك مع اختلافات تشمل المكونات وطريقة الإعداد حسب كل بلد وهي ميزة تكاد تجمع بين هذه الأقطار المغاربية من حيث التراث الثقافي والاجتماعي.
لكن شهرة العصبان التونسي تكاد تطغى على نظيرتها في بلدان الجوار بعد أن تخطت شهرتها النطاق المحلي وأصبحت علامة مسجلة بالمطاعم في كثير من العواصم الأوروبية والعربية أيضاً وأحد سفراء المائدة التونسية بفضل المهاجرين التونسيين الذين عمل الكثير منهم على الترويج للمطبخ التونسي.
تنبع شهرة العصبان التونسي من مذاقه المميز الذي تغلب عليه توليفة من البهارات والتوابل التي تعد عنوان المطبخ التونسي وأحد أسباب ثرائه وتنوعه حيث اشتهر عن التونسيين عشقهم للمذاق الحار واللاذع والطعام الممزوج بنكهات قوية وهي التي تمنح العصبان بعضاً من تفرده ولذته.
يُصنف العصبان باعتباره سيد الموائد التونسية ومن أبرز الوجبات الدسمة التي يرتبط تحضيرها بعيد الأضحى وكذلك الولائم والاحتفالات كما أن مهارة إعداده من طرف ربات البيوت كانت تعتبر دلالة على مدى حذقهن وتمكنهن من فنون الطبخ وأسرار الطهي.
يعتبر طبخ العصبان مع الكسكسي الأسلوب الدارج والغالب في المدن التونسية ضمن تقليد غذائي متوارث. ومع التحولات التي عرفها المجتمع التونسي شهدت الأنماط الغذائية بدورها تطورات عديدة أصبح معها إعداد العصبان مع أطباق أخرى مثل الأرز أو المرق مع البطاطا والخضروات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق