أخبارمجتمعوطنية

حُجبت مرتين بسبب كورونا…”خرجة العيد” طقس ديني مميز في تونس

للمرة الثانية في عام واحد، غابت “خرجة العيد” عن مواسم الأعياد في تونس، وهذه سابقة منذ سنة 2011، نتيجة الظرف الاستثنائي الذي تعيشه البلاد بسبب وباء كورونا.
ففي ظل حالة الحجر الصحي الإجباري التي عممت على كامل البلاد في الفترة الماضية، وما صاحبها من إجراءات تعليق الصلوات بالمساجد، غابت نكهة إحياء عيد الأضحى بعد إلغاء إقامة التجمعات الدينية والاحتفالية، ليخيم الصمت على أزقة المدينة العتيقة وأحيائها، وشوارع العاصمة التي طالما ترددت بين أرجائها أصداء التهليل والتكبير، تنساب من بين صفوف متراصة من المؤمنين والمصلين الذين يتسابقون للخروج في مسيرات احتفالية مهيبة وصولا إلى المساجد.
لم يتغير المشهد كثيرا خلال عيد الأضحى، فبرغم استئناف نشاط المساجد وفتح بيوت الله أمام المصلين وفق ترتيبات صارمة تراعي قواعد التباعد الاجتماعي والبرتوكولات الصحية، إلا أن حظر التجمعات الكبرى ما يزال سارياً تزامن مع عودة العدوى للانتشار إثر تسجيل
إصابات جديدة بالفيروس بالبلاد، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ قرار بإلغاء “خرجة العيد” للمرة الثانية بعد أن ظلت ممنوعة طوال سنوات حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
مشهدية فلكلورية وعادة اجتماعية
تعرف خرجة العيد بكونها أحد أكثر الطقوس الاجتماعية شهرة وشعبية في ما يرتبط بالاحتفال بالأعياد في تونس ، إذ يحرص الكبار والصغار على المشاركة فيها وهي من بين العادات والشعائر المتوارثة منذ قرون بالحاضرة وعدد من المدن التونسية خاصة منها القيروان.
وتمثل “الخرجة” توليفة خالصة تجمع ما بين الشعيرة الدينية والعقائدية في الاحتفاء بقدوم العيد، واستقباله بالأهازيج والأذكار والأدعية وإبراز الفرح بالمناسبة عملا بالسنة النبوية الشريفة. وما بين البعد الفلكلوري والمشهدي التي يجسدها التقليد بكل طقوسه، بما تشتمل عليه من تفاصيل وقواعد محددة للإطار التنظيمي للفعالية، انطلاقا من موعد انطلاق الخرجة ومكانها وتحديد شكل الصفوف وكذلك الإيقاع المميز للأذكار والتهاليل.
درج العرف السائد بشأن الخرجة التي تستبق أداء صلاة العيد منذ القرن الثامن عشر، على انطلاقها في موعد موحد ما بين كل أحياء المدينة العتيقة بالحاضرة تونس، حيث يتم ضبط التوقيت بالاتفاق والتنسيق بين أئمة المساجد وكبار وأشراف الأحياء ومشائخها، الذين يبادرون بالتجمع إثر صلاة الصبح وتشكيل الصف الأمامي للمسيرة وتشبيك الأيدي، ومن ثم الانطلاق في ترديد تكبيرات العيد وهم يعبرون الأزقة والأنهج بمختلف مناطق المدينة العتيقة، مثل باب الخضراء وباب سويقة وباب الجديد ونهج جامع الزيتونة المعمور، أين ينظم إليهم المصلون والمشاركون مرتدين أجمل ملابسهم في مشهد مهيب يلامس المشاعر ويأخذ بمجامع القلوب.
مشهدية “الخرجة كتقليد اجتماعي، يكرس روح الجماعة والتآخي وقيم التواصل والتوحد بين المسلمين، في مناسبة تكتسي قدسية خاصة، وتطبق فيها وصايا الرسول الأكرم على البعد الاجتماعي لإحياء العيد، والتقارب وصلة الرحم والتأليف بين القلوب.
طقس ديني بتوظيفات سياسية 
جذور خرجة العيد ترتبط بحسب المؤرخين بانتشار المذهب المالكي في إِفريقية في عهد الدولة الأغلبية، وترسخه بفضل الإمام سحنون الذي عمل على توطيد أركانه حتى أصبح مذهب عامة أهل تونس، بحسب ما ذكره ابن أبي دينار في مصنف “المؤنس في تاريخ أهل افريقية وتونس”، والذي يشير إلى أن انتقال هذا التقليد كان بفضل علماء المالكية باعتباره من عمل أهل المدينة الذين كانوا بدورهم على المذهب المالكي، ويتأسون بهذه الطقس باعتباره مستروحا من السيرة النبوية.
ويشير الباحث في الإسلاميات غفران حساييني في تصريح لبوابة تونس، إلى أن عادة خرجة العيد تستند إلى سند شرعي مثبت في الصحيحين، انطلاقا من حديث ترويه الصحابية الجليلة أم عطية بقولها “كنا نخرج في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في العيد حتى البكر تخرج من خدرها، نهلل ونكبر وراء الرجال يرجون بركة ذلك اليوم ومغفرته”.
ويفسر حسايني إحياء أهل المدينة لهذه السنة ومن ثم انتقالها إلى تونس، باعتبارها من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب الاقتداء به
وتبدو تأثيرات الصوفية جلية بين ملامح خرجة العيد وإطارها العقائدي والتعبدي، خاصة إذا ما علمنا أن بعضا من الطرق والمرجعيات الصوفية الأكثر حضورا لدى التونسيين، على غرار الطريقة الشاذلية أو الطريقة الباجية نسبة إلى العارف بالله أبي سعيد الباجي، تشتهر كذلك بفعاليات ومسيرات جماعية ببعض المناسبات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف أو ليلة القدر مشابهة لأسلوب خرجة العيد.
منذ ترسخ خرجة العيد كتقليد وطقس اجتماعي وعقائدي، كان جليا عبر التاريخ حرص عديد الحكام والشخصيات العامة والسياسية على المشاركة في هذه الفعالية وأحيائها، وذلك في محاولة لتوظيف المناسبة لأغراض وأهداف سياسية.
ويذكر ابن أبي الضياف في مصنفه “إتحاف أهل الزمان”، أن حكام الأسرة الحسينية من البايات، كانوا يحرصون على الحضور في خرجة العيد مرفوقين بالأعيان وكبار موظفي الدولة والجيش.
ويبرز ابن أبي الضياف إيلاء بايات تونس هذه المناسبة أهمية كبرى، باعتبارها “فرصة للتواصل مع العامة والاستماع إلى شكاويهم ومشاغلهم”، وقياس رضى الناس عن أداء السلطة ومسؤوليها، كما أنها تعد قطعا فرصة للملك لتسويق إنطباع إيجابي لدى الرأي العام، عبر الظهور بصورة الحاكم المتواضع القريب من الشعب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق